الشيخ محمد رشيد رضا

441

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

القريب بما قبل حضور الموت ، واحتجوا على ذلك بالآية الثانية التي تنفى قبول توبة الذين يتوبون إذا حضر أحدهم الموت . وليس ذلك بحجة لهم لأن الظاهر أن هذه الآية بينت الوقت الذي تقبل فيه التوبة من كل مذنب حتما والآية الثانية بينت الوقت الذي لا نقبل فيه توبة مذنب قط ، وما بين الوقتين مسكوت عنه ، وهو محل الرجا والخوف ، فكلما قرب وقت التوبة من وقت اقتراب الذنب كان الرجا أقوى ، وكلما بعد الوقت بالاصرار وعدم المبالاة والتسويف كان الخوف من عدم القبول هو الأرجح ، لأن الاصرار قد ينتهى قبل حضور الموت بالرين والختم وإحاطة الخطيئة ، وقد سبق بيان ذلك في تفسير سورة البقرة . فراجع تفسير « خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ » وتفسير ( 2 : 81 بَلى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ ) من الجزء الأول وكذا في تفسير آل عمران‌فراجع ص 250 و 365 و 366 من تفسير الجزء الثالث ) وسنعيد بيانه أيضا . وكم غرت هذه العبارة الناس وجرأتهم على الاصرار على الذنوب والآثام وأوهمتهم أن المؤمن لا يضره أن يصر على المعاصي طول حياته إذا تاب قبل بلوغ روحه الحلقوم فصار المغرورون يسوفون بالتوبة حتى يوبقهم التسويف فيموتوا قبل أن يتمكنوا من التوبة وما يجب أن تقرن به من اصلاح النفس بالعمل الصالح ، كما في الآية السابقة وآيات أخرى في معناها . كقوله تعالى ( 20 : 82 وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدى ) وقوله في حكاية دعاء الملائكة للمؤمنين ( 40 : 8 رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ ) ولا ينافي ذلك ما ورد من الأحاديث والآثار في قبول التوبة إلى ما قبل الغرغرة . كحديث ابن عمر عند أحمد والترمذي « إن اللّه يقبل توبة العبد ما لم يغرغر » فان المقصود من هذا أنه لا يجوز لأحد أن يقنط من رحمة ربه وييأس من قبوله إياه إذا هو تاب وأناب اليه ما دام حيا . وليس معناه : أنه لا خوف على العبد من التمادي في الذنوب إذا هو تاب قبيل الموت ولو بساعة ، فان حمله على هذا المعنى مخالف لهدى كتاب اللّه في الآيات التي ذكرنا بعضها آنفا ، ولسننه في خلق الانسان من حيث إن نفسه تتدنس بالذنوب بالتدريج فماذا طال الأمد على مزاولتها لها تتمكن فيها وترسخ فلا تزول إلا بتزكيتها بالعمل الصالح